Main menu

Pages

تركيز البول ونظرية التيارات المتعاكسة Urine Concentration and Countercurrent Hypothesis


تركيز البول ونظرية التيارات المتعاكسة Urine Concentration and Countercurrent Hypothesis

تعد نظرية التيارات المتعاكسة واسعة القبول لتفسير الآلية التي يجري بها إخراج البول مركزا حوالي 4 أضعاف تركيز الدم. لقد سميت النظرية بنظرية التيارات المتعاكسة نظرا لأن السائل الراشح يسير أثناء تكوينه في اتجاهات متعاكسة: نزولا في الطرف الهابط لالتواء هنلي وصعودا في الطرف الصاعد ونزولا ثانية في القناة الجامعة. هناك آليتا تيارات متعاكسة الأولى تدعي تیار متعاكس مضاعف countercurrent multiplier وتتعلق بحركة الراشح التي أشرنا لها للتو والثانية تدعى تيار متعاكس مبادل counter current exchanger وتتعلق بحركة الدم في الأوعية الدموية المستقيمة vasa recta

 

التيار المتعاكس المضاعف Countercurrent Multiplier

يقصد بكلمة مضاعف هنا أن تركيز البول يزداد بنهاية هذه العملية عدة أضعاف وذلك أثناء سيره باتجاهات متعاكسة في أطراف التواء هنلي والقناة الجامعة وذلك بسبب خصائص النفاذية المختلفة لهذه التراكيب. تعتمد آلية التيار المتعاكس المضاعف على مضخة صوديوم - بوتاسيوم الفعالة جدا والموجودة في الجزء السميك من الطرف الصاعد من التواء هنلي.

لدى دخول الراشح الطرف النازل لالتواء هنلي (شكل 20-21) يعاد امتصاص الماء منه الأمر الذي يرفع تركيزه الأسموزي تدريجيا من 300 إلى 1200 مللي أسمول / لتر عندما يصل قمة التواء هنلي الموجودة عميقة في النخاع. حال صعود الراشح في الطرف الصاعد تقوم مضخة صوديوم- بوتاسيوم في هذا الجزء بسحب صوديوم منه (ويتبعه كلور) الأمر الذي يؤدي إلى نتيجتين: الأولى أن الراشح يصبح أقل تركيزا (من 1200 إلى 100 مللي أسمول / لتر) وهذا التخفيف لم ينجم عن إضافة الماء إلى الراشح بل بسحب الأملاح منه ( يجب أن نتذكر هنا أن الطرف الصاعد غير منفذ للماء إطلاقا) والثانية أن السائل النسيجي حول الأنيبيبات يصبح أكثر تركيزا نتيجة لإضافة الملح له. وحيث أننا نتوقع أن يزداد نقل صوديوم في الأجزاء السفلى من التواء هنلي ( إذ كلما ارتفع الراشح إلى الأعلى قل تركيز الملح فيه) فإن السائل النسيجي يصبح متدرجا في تركيزه إذ يكون الجزء المحاذي لقمة التواء هنلي بالغ التركيز (حوالي 1200 مللي أسمول / لتر) والجزء القشري مخفف التركيز (حوالي 300 مللي أسمول / لتر). قبل استكمال الحديث حول ما سيجري للراشح في الأنيبيبة البعيدة والقناة الجامعة، نود أن نشير هنا إلى أمرين يظهر فيهما تعاون جلي بين الطرف الهابط والطرف الصاعد لالتواء هنلي: الأول أن الطرف الهابط بإعادة امتصاصه للماء ينتج راشحا «مالحا» وهذا يمكن الطرف الصاعد من استخدام هذا الملح لخلق تدرج في ملوحة السائل النسيجي المحيط، والثاني أن تدرج الملوحة الذي خلقه الطرف الصاعد يسبب سحب مزيد من الماء من الطرف النازل مما يخلق راشحا مالحا جديدا، وهكذا يمكن أن نلحظ وجود آلية تغذية راجعة إيجابية بين هذين التركيبين.

لا يطرأ الكثير من التغير على أسموزية الراشح المخفف (100 مللي أسمول / لتر) في الأنيبيبة البعيدة لأن امتصاص الأملاح يصاحبه امتصاص للماء بالأسموزية، لكنه عندما يصل إلى القناة الجامعة فإن مانع إدرار البول يسبب إعادة امتصاص مزيد من الماء منه بالخاصية الأسموزية فيزداد تركيزه الأسموزي تدريجيا كلما هبط في القناة الجامعة، وما أن يصل إلى نهايتها حتى يكون قد استعاد تركيزه الذي كان عليه عندما وصل قمة التواء هنلي (أي 1200 مللي أسمول / لتر).

التلخيص مجريات هذه الأحداث نجد أن الراشح ركز في الطرف الهابط الالتواء هنلي ثم خفف أثناء صعوده بالاتجاه المعاكس في الطرف الصاعد ثم ركز ثانية أثناء هبوطه في القناة الجامعة، أي لقد سار الراشح في اتجاهات ثلاثة متعاكسة وكانت المحصلة النهائية لهذه الحركة أن تركيزه تضاعف عدة مرات. ألا يستحق هذا السلوك أن يوصف بالتيار المتعاكس المضاعف؟! |

لكن لماذا خفف الراشح ثانية أثناء صعوده في الطرف الصاعد؟ يمكن استنتاج ثلاثة أسباب لذلك: الأول أن الراشح لا يزال يحتوي على حوالي 30 % من صوديوم الذي لم يتم امتصاصه بعد، وهي كمية مهمة يجب الاحتفاظ بها في الجسم، والثاني أنه بعد تخفيف الراشح أصبح بالإمكان كذلك الاستفادة من بعض الماء الذي لا يزال فيه، إذ لا يزال يحتوي على حوالي 20 % من الماء وهذه الكمية مهمة لحياة الكائنات التي تعيش على اليابسة في ظروف نقص الماء ويعتبر التحكم بهذه الكمية مقياسا لقدرة الكائن على التكيف للحياة على اليابسة. أما السبب الثالث فهو أن إعادة امتصاص ملح الطعام من الراشح مهمة جدا لبناء تدرج في تركيز السائل بين النسيجي المحيط بالأنيبيبة الكلوية والقنوات الجامعة. إن تدرج تركيز السائل هذا (المبين في الشكل 20-21) مهم جدا في عملية تركيز البول كما سنرى.

 

الشكل 20-21: حركة الماء والأملاح المسببة لالية التيار المتعاكس المضاعف.

الشكل 20-21: حركة الماء والأملاح المسببة لالية التيار المتعاكس المضاعف.

 

 

 

تركيز البول Urine Concentration

نعرف أن التركيز الأسموزي للبول يساوي 3 - 5 أضعاف التركيز الأسموزي للدم أو للراشح حال تكونه في محفظة بومان. يساهم في عملية التركيز هذه كل من ملح الطعام وبولينا وينظمها مانع إدرار البول. فصوديوم الذي تضخه مضخة صوديوم - بوتاسيوم الموجودة في الطرف الصاعد لالتواء هنلي يصل إلى السائل بين النسيجي ويحدث زيادة في تركيزه. كذلك تساهم الأنيبيبة البعيدة والقنوات الجامعة في إعادة امتصاص بعض صوديوم الذي يضاف إلى السائل بين النسيجي.

ولدى قياس التركيز الأسموزي للسائل بين النسيجي وجد أنه حوالي 300 مللي أسمول / لتر بالقرب من التقاء القشرة والنخاع ومعظم هذا التركيز الأسموزي يعود إلى وجود أيوني صوديوم وكلور. كما وجد أنه كلما توجهنا عميقا في النخاع كلما ازداد التركيز الأسموزي اللسائل بين النسيجي حتى أنه يصل عند الحلمات إلى 1200 مللي أسمول/لتر وتساهم أيونات صوديوم وكلور بنصف هذا التركيز الأسموزي بينما تساهم بولينا بالنصف الأخر.

لا بد إذا من الإشارة هنا إلى دور بولينا في تركيز البول. إن الأجزاء القشرية من القناة الجامعة غير منفذة لبولينا أما الأجزاء النخاعية فهي منفذة لها وتزداد نفاذية هذه الأجزاء بوجود مانع إدرار البول. بعد معرفتنا لهذه الحقائق، يمكننا تصور ماذا يحدث للراشح المخفف (100 مللي أسمول / التر) الذي وصل للجزء القشري من القناة الجامعة. فبوجود مانع إدرار البول يخرج الماء من هذا الراشح ويضاف للسائل بين النسيجي فيزداد تركيز بولينا في الراشح، لكن هذه الأخيرة لا تستطيع النفاذ إلى السائل بين النسيجي في الجزء القشري ولذا فإنها تبقى حبيسة في الراشح إلى حين وصوله إلى الجزء النخاعي حيث تخرج منه بسبب نفاذية القناة أصلا وبسبب تأثير مانع إدرار

البول، وتكون النفاذية هنا معتمدة على اختلاف فرق التركيز. إن خروج بولينا من الراشح إلى السائل بين النسيجي يرفع التركيز الأسموزي لهذا الأخير إذ أنها تزيد تركيزه في الأجزاء النخاعية بمقدار 600 مللي أسمول / لتر مما يجعل تركيزه النهائي حوالي 1200 مللي أسمول / لتر. ما دور تدرج تركيز السائل النسيجي في تركيز البول؟

إذا كان التركيز الأسموزي للسائل بين النسيجي هو 1200 مللي أسمول / لتر عند نهاية القناة الجامعة وكانت القناة الجامعة منفذه للماء فمن المنطقي تماما أن لا يخرج البول بتركيز أقل من 1200 مللي أسمول / لتر أيضا وذلك لأن قوانين الانتشار تحتم على الماء أن ينتقل من الراشح إلى السائل بين النسيجي إذا كان الراشح مخففا بدرجة أكبر من السائل بين النسيجي. لكن هل يمكن للبول أن يخرج بتركيز أعلى من 1200 مللي أسمول / لتر إذا كان تركيز السائل بين النسيجي هو 1200 مللي أسمول / لتر؟ الجواب كلا لأن عملية تركيز البول تعتمد على تركيز السائل بين النسيجي فإذا انخفض هذا التركيز نتوقع أن لا يجري تركيز للبول أكثر مما يمليه انخفاض هذا التركيز. ومن الشواهد التي تؤيد ذلك أن الأشخاص الذين يتغذون على وجبات فقيرة بالبروتين يخرجون بولا مخفف التركيز، لماذا ؟ لأن البروتين القليل ينتج القليل من بولينا وهكذا يكون تركيز السائل بين النسيجي قليلا وبالتالي لا يمكن تركيز البول إلى الحدود الطبيعية. لهذا كله فإن هناك آليات في الكلية تحافظ على تركيز السائل بين النسيجي وتمنع تبديده. إن إحدى هذه الآليات وأهمها هي آلية التيار المتعاكس المبادل.

 

 

التيار المتعاكس المبادل Countercurrent Exchanger

تعتمد هذه الآلية على وجود أوعية دموية مستقيمة vasa recta تمتد بشكل مواز لالتواءات هنلي في الكليونات قرب النخاعية (شكل 20 - 22). إن هذه الأوعية منفذة للأملاح والماء وبعض الشيء لبولينا. لقد وجد أن التركيز الأسموزي للدم في الطرف الصاعد من هذه الأوعية هو أعلى بقليل (حوالي 25 مللي أسمول / لتر) من مثيله للدم في الطرف الهابط، وهذا يعني أن هذه الأوعية لا تصرف معها إلا القليل من الأملاح الموجودة في السائل بين النسيجي.

 

الشكل 20-22: حركة الماء والأملاح في الأوعية الدموية المستقيمة المسببة لالية التيار المتعاكس المبادل.

الشكل 20-22: حركة الماء والأملاح في الأوعية الدموية المستقيمة المسببة لالية التيار المتعاكس المبادل.

 

 

لكن قياس التركيز الأسموزي للدم عند قمة الالتواء بين أن تركيزه هو حوالي 1200 مللي أسمول / لتر، مما يشير إلى أن الطرف الهابط (كونه منفذ للأملاح ) قد جرف معه أملاحا من السائل بين النسيجي وبذا يبدو للوهلة الأولى أنه قد بدد التركيز الأسموزي للسائل بين النسيجي. لكن هذا الأمر لم يتم فعلا، وذلك لأن الأملاح التي دخلت إلى الدم في الطرف الهابط لهذه الأوعية عادت وخرجت منه في الطرف الصاعد. وهكذا يبقى تركيز الأملاح في السائل بين النسيجي ثابتا تقريبا كما حددته آلية التيار المضاعف وآليات نفاذ بولينا. وحيث أن تيار الدم يسير باتجاهين متعاكسين في الأوعية المستقيمة وأن ما أخذ من أملاح وبولينا في الطرف الهابط استبدل بأملاح و بولينا تسربت من الطرف الصاعد، لذا فقد أطلق على هذه الآلية التيار المتعاكس المبادل. إن المحصلة النهائية لعمل هذه الأوعية هو ليس خلق تدرج في تركيز السائل النسيجي بل في المحافظة على هذا التدرج، فلماذا إذا تمر هذه الأوعية المستقيمة في الأصل خلال نخاع الكلية؟ يبدو أن هناك سببين: الأول أنها تزود التراكيب النخاعية بحاجتها من الغذاء وأكسجين وهي الوظيفة العامة للأوعية الدموية، والثاني أنه لا بد للماء الذي يدخل بين الأنسجة النخاعية من الطرف الهابط لالتواءات هنلي ومن القنوات الجامعة من طريقه يصرف بها وهذا الطريق هو الأوعية المستقيمة. أما القوة الدافعة لإدخال هذا الماء إلى الأوعية المستقيمة فتتمثل في الضغط الأسموزي الغروي للبلازما و التركيز المرتفع الناتج عن المواد المذابة الصغيرة الحجم. تجدر الإشارة هنا إلى أن آلية التيار المتعاكس المبادل تعتمد بشكل كبير على مقدار تدفق الدم في الأوعية المستقيمة، ففي الحالة الطبيعية يكون تدفق الدم قليلا وبطيئا الأمر الذي يسمح بالحفاظ على التركيز غير أنه إذا كان التدفق كبيرا، كما يحدث عند شرب كميات كبيرة من الماء، فإن مقدار التدفق سيكون كبيرا وهذا سيؤدي إلى تبديد التركيز في السائل بين النسيجي الأمر الذي يقلل من قدرة الكلية على إنتاج بول مركز، إذ يخرج بول مخفف كبير الكمية ويدعى هذا تبول مائي Water diuresis.

 

 




الفصل العشرين:

·        الجهاز البولي

·        تطور الجهاز البولي

·        التشريح الوظيفي للجهاز البولي

·        الكلية

·        التركيب الداخلى

·        التغذية الدموية والعصبية للكلية

·        الوحدات الكلوية ( الكليونات)

·        التغذية الدموية للكليون

·        الجهاز قرب الكبيبي

·        تكوين البول

·        الترشيح الكبيبي

·        ضغط الترشيح الصافي

·        تنظيم معدل الترشيح الكبيبي

·        قياس معدل الترشيح الكبيبي

·        التخليص

·        إعادة الامتصاص

·        آليات إعادة الامتصاص

·        إعادة امتصاص جلوكوز

·        إعادة امتصاص الأحماض الأمينية

·        إعادة امتصاص البروتينات

·        إعادة امتصاص حامض بوليك

·        إعادة امتصاص بولينا

·        الإفراز الأنبوبي

·        تنظيم حركة الأيونات في أجزاء الكليون

·        تنظيم حركة الماء في الكليون

·        تركيز البول ونظرية التيارات المتعاكسة

·        التيار المتعاكس المضاعف

·        تركيز البول

·        التيار المتعاكس المبادل

·        مكونات البول وخواصه

·        السيطرة الهرمونية على عمل الكلية

·        الحالبان

·        المثانة البولية

·        المجرى البولي

·        التبول

·        التغيرات المصاحبة لتقدم العمر في الجهاز البولي

·        اضطرابات الجهاز البولي

·        احتباس البول

·        الفشل الكلوي

·        عدوى المجاري البولية

·        تحليل البول

·        مدرات البول

·        حصى الكلية

·        الكلوة الاصطناعية ( الديلزة الدموية) .





 

 

المصادر

  • التشريح الوظيفي وعلم وظائف الأعضاء ، الدكتور شتيوي العبدالله (2012) ، دار المسيرة عمان – الأردن.

 

  • Prosser, C. Ladd (1991). Comparative Animal Physiology, Environmental and Metabolic Animal Physiology (4th ed.). Hoboken, NJ: Wiley-Liss. pp. 1–12. ISBN 978-0-471-85767-9.
  •  Hall, John (2011). Guyton and Hall textbook of medical physiology (12th ed.). Philadelphia, Pa.: Saunders/Elsevier. p. 3. ISBN 978-1-4160-4574-8.
  •  Widmaier, Eric P.; Raff, Hershel; Strang, Kevin T. (2016). Vander's Human Physiology Mechanisms of Body Function. New York, NY: McGraw-Hill Education. pp. 14–15. ISBN 978-1-259-29409-9.
  • R. M. Brain. The Pulse of Modernism: Physiological Aesthetics in Fin-de-Siècle Europe. Seattle: University of Washington Press, 2015. 384 pp., [1].
  • Rampling, M. W. (2016). "The history of the theory of the circulation of the blood". Clinical Hemorheology and Microcirculation. 64 (4): 541–549. doi:10.3233/CH-168031. ISSN 1875-8622. PMID 27791994. S2CID 3304540.
  • Bernard, Claude (1865). An Introduction to the Study of Ex- perimental Medicine. New York: Dover Publications (published 1957).
  •  Bernard, Claude (1878). Lectures on the Phenomena of Life Common to Animals and Plants. Springfield: Thomas (published 1974).
  •  Brown Theodore M.; Fee Elizabeth (October 2002). "Walter Bradford Cannon: Pioneer Physiologist of Human Emotions". American Journal of Public Health. 92 (10): 1594–1595. doi:10.2105/ajph.92.10.1594. PMC 1447286.
  •  Heilbron, J. L. (2003). The Oxford Companion to the History of Modern Science, Oxford University Press, p. 649, link.
  •  Feder, ME; Bennett, AF; WW, Burggren; Huey, RB (1987). New directions in ecological physiology. New York: Cambridge University Press. ISBN 978-0-521-34938-3.
  •  Garland, Jr, Theodore; Carter, P. A. (1994). "Evolutionary physiology" (PDF). Annual Review of Physiology. 56 (1): 579–621. doi:10.1146/annurev.ph.56.030194.003051. PMID 8010752.

 


 

Comments

contents title