Main menu

Pages

السيادة المخية Cerebraldominance - اللغة Language - التعلم والذاكرة Learning and Memory - الأساس المادي للذاكرة Physical basis ofmemory

 


السيادة المخية Cerebraldominance

أن المتفحص غير المتأني لدماغ الإنسان يرى لأول وهلة أن فيه تناظرا جانبيا بين نصفي الكرة المخيين الأيمن والأيسر، غير أنه وظيفيا ليس كذلك، كما أن المدقق فيه تشريحيا يجد أن المنطقة المخية المسماة المستوى الصدغي planum temporale العائدة للفص الصدغي هي ذات حجم أكبر في النصف الأيسر منها في النصف الأيمن من المخ. من ناحية وظيفية، لوتتبعنا الوظائف التي يقوم بها كل نصف كرة مخية سنجد أن النصف الأيسر أكثر أهمية في السيطرة على اليد اليمني واللغة المكتوبة والمتكلمة والمهارات العددية والعلمية والقابلية لاستعمال وفهم لغة الإشارة و التعليل في معظم البشر، وهذا يعني سيادة للنصف الأيسر على هذه الوظائف. من جانب آخر، نجد أن النصف الأيمن أكثر أهمية في السيطرة على اليد اليسرى و المعرفة الموسيقية والفنية، وإدراك الأنماط وإدراك العلاقات المكانية والرؤية الثاقبة insight والخيال وتوليد الأنماط العقلية للبصر والذوق والصوت والشم واللمس (شكل 1- 14).

ونظرا لسيادة كل جانب من جانبي المخ في أمور معينة على الجانب الآخر بحيث يمكن أن يمثل أحدهما ندا للآخر فقد استبدل تعبير السيادة المخية الذي ساد لفترة من الزمن بتعبير جانبية الدماغ brain lateralization بمعنى أن للدماغ جانبان يتميز كل جانب بقدرته الفائقة على القيام ببعض الوظائف دون غيرها ولا يعني هذا أن كل جانب من الدماغ مستقل عن الآخر بل أن هناك تعاونا وثيقة بينهما وتبادلا للمعلومات. يتم هذا التبادل عن طريق الجسم الصلب الذي أشرنا سابقا إلى الاختلالات التي تنشأ من قطع أليافه فإذا وصلت المعلومات الحسية عن جسم ما تلمسه اليد إلى النصف الأيمن من المخ فإن المعلومات يجب أن تصل في النهاية إلى الجانب الأيسر من المخ الذي يحتوي على مركز اللغة المكتملة لكي يتمكن هذا الشخص من تسمية الجسم المحسوس باسمه. ويتم نقل المعلومات هذا كما أشرنا عن طريق الجسم الصلب.

 

الشكل 1-13: مكونات الجهاز الطرفي.

الشكل 1-13: مكونات الجهاز الطرفي.

 

 

اللغة Language

تعتمد اللغة أو الكلام على الجانب الأيسر من الدماغ في ذوي الأيدي اليمني وكثير من ذوي الأيدي اليسرى أما بعض ذوي الأيدي اليسرى فتعتمد اللغة لديهم على الجانب الأيمن في الدماغ. فلقد وجد أن إعطاء مادة مخدرة موضعية عبر الشريان السباتي الأيسر يؤدي إلى إيقاف الشخص عن الكلام بعد أن كان متحدثا وتدعى هذه الحالة الخرس أو الحبسة الكلامية aphasia. كذلك، فقد أثبتت دراسة حالات الأشخاص الذين أصيبوا بعطب في الجانب الأيسر من المخ وجود أكثر من منطقة مسؤولة عن اللغة والكلام. فهناك منطقة تدعى منطقة بروكا Broca area (شكل 1 - 14 ) موجودة وفي جانب الفص الأمامي الأيسر وأخرى تدعى منطقة ورنكي Wernicke' s area توجد في تلافيف الفص الصدغي الأيسر، كما أن هناك عصبونات توصل منطقة بروكا بالتلفيف قبل المركزي الحركي.

تعد منطقة ورنكي المنطقة التي تترجم فيها الأفكار إلى كلمات أو جمل أي بعبارة أخرى المكان الذي ينشأ فيه الكلام كما يجري فيه استيعاب الكلام المسموع أو المقرؤ speech comprehension إذ وجد أن تدميرها يؤدي إلى إصدار كلمات ليست مترابطة ولا تؤدي معنى مفهوما، ولهذا يطلق عليها سلطة الكلمات Word salad، وإلى صعوبة في فهم الكلام المسموع أو المقرؤ. تنتقل إشارات عصبية من هذه المنطقة إلى منطقة بروكا التي تحوي برامج حركية للكلمات والتي يؤدي تدميرها إلى فقد القدرة على التكلم بيسر وعلى التعبير عن الأفكار بالكتابة. يتمثل دور منطقة بروكا في إصدار سيالات عصبية توعز للقشرة الحركية بتحريك عضلات النطق، للنطق بالكلمات أو الجمل المناسبة.

حتى الثمانيات المتأخرة من القرن العشرين كان يعتقد بأنه لفهم الكلام المسموع أو المكتوب فإن معلومات سمعية أو بصرية يجب أن تصل إلى مراكز اللغة. فشكل الحروف وترتيبها ينتقل من الشبكية إلى القشرية البصرية (شكل 1 - 15) ومن هنا ينتقل إلى التلفيف الزاوي angular gyrus الذي يشكل منطقة ارتباط للمعلومات الحسية السمعية والبصرية واللمسية.

 

الشكل 1-14: مقطع في الدماغ يبين مفهوم السيادة المخية من ناحية تشريحية وعدم تناظر نصفي كرة المخ.

الشكل 1-14: مقطع في الدماغ يبين مفهوم السيادة المخية من ناحية تشريحية وعدم تناظر نصفي كرة المخ.

 

تنتقل المعلومات بعد ذلك من التلفيف الزاوي إلى منطقة ورنكي حيث يمكن إدراكها وفهمها، ثم تنتقل بعد ذلك إلى منطقة بروكا، المسؤولة عن الجوانب الحركية للكلام، وهذه بدورها ترسل أليافا عصبية تنقل المعلومات إلى القشرة المخية الحركية قبل المركزية precentral gyrus التي تعطي الأوامر بالحركة للفم واللسان والحبال الصوتية للنطق أو إلى اليدين للكتابة. أما الجوانب العاطفية المرتبطة بالكلام فمسؤول عنها المناطق المقابلة لمنطقتي بروكا وورنكي في نصف كرة المخ غير السائد أي الأيمن (2 ذوي الأيدي اليمنى).

فالمنطقة المقابلة لمنطقة ورنكي مسؤولة عن فهم لحن الصوت في الكلام كأن يكون قاسيا أو رقيقا ويعتمد ذلك على مزاج المتحدث وعواطفه، أما المنطقة المقابلة لمنطقة بروکا فمسؤولة عن التعبير عن التلحين intonation.لكن الدراسات الحديثة باستخدام تقنية PET“ دحضت أجزاء كبيرة من النموذج السابق الذي يحاول تفسير اللغة. فعلى الرغم من أن المناطق الرئيسية للغة لا يزال دورها قائما لكن مناطق ومسالك جديدة وموازية أحيانا أضيفت كما جرى تحوير لوظائف المناطق المختلفة بحيث يمكن تجاوز بعضها تحت ظروف معينة، الأمر الذي يعطي المرونة لخطة الكلام. في النموذج الجديد، عندما يقرأ البالغ مادة بسيطة فإن السيالات العصبية تنتقل مباشرة من القشرة البصرية إلى القشرة الحركية المسيطرة على عضلات النطق أو إلى مناطق تحليل الكلام ومناطق تحديد معاني الكلمات الموجودة في القشرة الأمامية frontal.

 

الشكل 1-15: بعض المناطق والوصلات العصبية ذات الدور في فسيولوجيا اللغة.

الشكل 1-15: بعض المناطق والوصلات العصبية ذات الدور في فسيولوجيا اللغة.

 

ولكن عندما يقرأ طفل أو يقرأ بالغ كلاما غير مألوف أو حتى يحاول تحليل الكلمات المرئية فإن منطقة ورنكي تصبح نشطة (أي أنها لا تتدخل عندما تكون المهمة روتينية). كذلك فإن منطقة بروکا والمنطقة قبل الحركية المجاورة لها والجزء الخاص بالكلام من المنطقة الحركية الأساسية تصبح كلها نشطة عندما نتكلم بل وعندما نحرك ألسنتنا أو أيدينا. كما بينت الدراسات بأن المناطق المسؤولة عن تحليل الكلام وتحديد معاني الكلمات ليست هي منطقة ورنكي كما كان يعتقد بل هي مجموعات من العصبونات في القشرة الأمامية اليسرى وجرى تحديد أكثر من ذلك إذ وجد بأن هذه القشرة مسؤولة عن فهم أو نطق الأفعال verbs بينما تقوم القشرة الصدغية اليسرى بفهم ونطق الأسماء وتقوم القشرة البصرية بتحديد مفاهيم اللون وربما تتدخل المناطق المسؤولة عن العاطفة في تحليل اللغة ذات المضامين العاطفية .

 

 

التعلم والذاكرة Learning and Memory

يمتاز الدماغ بقدرته على اكتساب المعرفة بصورة تراكم للخبرات ويدعى ذلك التعلم learning حيث يمكن لهذه الخبرات المتراكمة أن تؤدي إلى تحوير للسلوك. كما يمتاز الدماغ بقدرته على إضافة الخبرات التي تعلمها باستمرار إلى مخزونة من المعرفة ويدعي ذلك الذاكرة memory. وهناك نوعان من التعلم : ارتباطي associative وغير ارتباطي -non associative . من أمثلة التعلم غير الارتباطي التعود habituation الذي نتعلم فيه أن نقلل من الاستجابة المنبه معين فدقات عقرب الثواني لساعة الحائط يمكن سماعها بسهولة مثلا ولكننا في الغالب لا نعيرها اهتماما وكأننا لا نسمعها لأنها لا تعني الشيء الكثير لبقائنا.

على النقيض من التعود، يوجد مثال آخر للتعلم غير الارتباطي يدعي التحسس sensitization تتم فيه زيادة الاستجابة لمنبه ما نظرا لأهمية ذلك المنبه لبقائنا، فتكرار منبه مؤلم مثلا يؤدي بالفرد إلى سرعة الاستجابة فعند لمس جسم نعتقد أنه ساخن جدا يقوم الفرد بسحب يده بسرعة حتى قبل أن يشعر بالألم أو الحرارة لأنه سبق أن تعرض لهذا المؤثر المؤلم. يوجد نمطان من أنماط التعلم الارتباطي، الأول يدعى التعلم الشرطي التقليدي classical conditioned learning وفيه يتعلم الحيوان ( الكلب مثلا) أن إضاءة مصباح في حجرته تعني وصول الطعام فيبدأ بإفراز اللعاب. ويتم هذا التعلم بعد سلسلة من العمليات يزدوج فيها المنبه الشرطي conditioned stimulus (المصباح المضاء) مع منبه غيرشرطي unconditioned stimulus (إحضار قطعة لحم للكلب) عدة مرات إلى أن يتعلم الكلب أن إضاءة المصباح تعني قرب وصول اللحم. يدعى هذا التعلم أيضا التعلم البافلوغ Pavlovian conditioning حيث كان العالم الروسي إيفان بافلوف أول من قام بهذه التجارب. أما النمط الثاني من التعلم الارتباطي فيدعى التعلم الشرطي الفاعل (الآلي) operant ( instrumental ) conditioned learning وفيه يتعلم الحيوان ( الفأر مثلا) إذا ما وضع في الصندوق المناسب، أنه إذا قام بالضغط على رافعة معينة، فإنه سيتلقى طعاما (ثواب reward) كما يتعلم أنه إذا ضغط على رافعة أخرى، فإنه ربما سيتلقى صدمة كهربائية خفيفة (عقاب punishment) وبذا يتعلم تكرار الفعل الأول ويتجنب تكرار الفعل الثاني. ويدعى هذا التعلم تعلم سكن الشرطي Skinnerian conditioning نسبة للعالم B. F . Skinner ويسمى الصندوق الذي يوضع فيه الحيوان صندوق سکنر Skinner box (شكل 1 - 16).

فيما يخص الذاكرة، فإن فهمها لا يزال يعتريه الكثير من الغموض ولا يزال يشكل مجالا خصبا للأبحاث. بادئ ذي بدء يختلف الباحثون في النظر إلى الذاكرة على أنها خزن storage للمعلومات أم على أنها استرجاع retrieval لها، ويبدو أن اغلب الباحثون يحبذون نظرية خزن المعلومات وإن كان لأصحاب نظرية الاسترجاع بعض الأدلة التي تؤيد صحة ما يذهبون إليه. يميز الباحثون بين نوعين من الذاكرة الذاكرة قصيرة الأمد short - term memory أو الذاك رة الهشة (العاملة ) ( labile ) Working والذاكرة طويلة الأمد long - term memory أو الذاكرة الثابتة stable .

 

الشكل 1-16: صندوق سكر.

الشكل 1-16: صندوق سكر.

 

تستمر الذاكرة قصيرة الأمد لأمر ما لثوان أو دقائق أو ساعات، وأفضل مثال لها هو أن تنظر في مفكرتك فتختار رقم هاتف منه وتضرب هذا الرقم. هذا الرقم قد يبقى في الذاكرة لحين الانتهاء من طلبه وقد يستمر بعد ذلك لفترة قصيرة ثم ينسى إذا لم تستعمله بشكل مستمر. تكمن الأهمية البيولوجية المثل هذه الذاكرة في إنها تمكننا من نسيان توافه الأمور في الحياة والتي لو اضطررنا لحفظها في ذاكرتنا لأصبح من الصعب علينا أن نركز على أمور أخرى أكثر أهمية. تمتاز هذه الذاكرة بأنه من السهل تشتيتها أو إزالتها، ويتم ذلك بتعريض الدماغ إلى إصابة مادية ( ضربة على الرأس أو ارتطام أو صدمة كهربائية أو انخفاض في درجة الحرارة أو انقطاع الدم عن الدماغ أو حتى بعض الأدوية، ويدعى ذلك فقد الذاكرة الرجعي retrograde amnesia. هذا النوع من الذاكرة لا يستمر إلا مؤقتا لذا فهو يفسر أحيانا بأنه ناتج عن تغير مؤقت في مقاومة إحدى التشابكات في إحدى دوائر الدماغ، وسنعود إلى الإطناب حول هذا الأمر لاحقا.

أما الذاكرة طويلة الأمد لأمر ما فتستمر أياما وسنوات وعقودا وفيها تخزن المعلومات الأكثر أهمية في حياة الكائن الحي حيث تكمن هنا أهميتها البيولوجية، وتمتاز بأنها ليس من السهل استبدال معلوماتها بمعلومات أخرى. تبدأ الذاكرة لخبرة معينة ذات أهمية في حياتنا في البداية على هيئة ذاكرة قصيرة الأمد يتم بعد ذلك تحويلها إلى ذاكرة طويلة الأمد بعملية تدعى الاندماج consolidation حيث تتم هذه العملية الأخيرة في جزء من الدماغ يتبع الجهاز الطريفي ( الحلقي يدعى فرس البحر أو قرن آمون* hippocampus ).

 

 

أماكن خزن المعلومات (أماكن الذاكرة)

لقد أدت التجارب التي أجراها لاشلي Karl Lashley في الخمسينات من القرن العشرين والتي أطلق عليها قانون فعل الكتلة law of mass action وأزال فيها أجزاء من القشرة المخية للجرذان، إلى الاعتقاد بأن أماكن الذاكرة منتشرة في القشرة المخية بكاملها. غير أن التجارب اللاحقة حتى يومنا هذا أثبتت أن آثار الذاكرة تخزن بشكل أساسي في المخيخ وفرس البحر والأجسام اللوزية وقشرة المخ المرتبطة بالجهاز الطرق. فالذاكرة الصريحة explicit للأشخاص والأماكن والأشياء تخزن في الفص الصدغي من القشرة وفي فرس البحر بينما تخزن الذاكرة الضمنية implicit للمهارات الحركية والاستراتيجيات الإجرائية ( كيفية عمل الأشياء) في الأنظمة الحسية والحركية وفي المخيخ الذي يلعب دورا حاسما في تنظيم المهارات الحركية. كما بين الباحثون دورا للوصلات بين تحت المهاد والأجسام اللوزية في التعلم الشرطي الاستجابات الجهاز الدوري. وقد استطاع الباحثون التعرف على كيفية ترابط الخلايا العصبية ببعضها لتشكل دوائر تدعى دوائر الذاكرة memory circuits ويجري الكثير من الأبحاث حاليا للتعرف على المزيد من هذه الدوائر.

 

تحقيق

دائرة منعكس رمش العين في الأرنب Rabbit Eye - blink reflex circuit تؤدي نفخة من الهواء على قرنية عين الأرنب إلى رمش جفن العين، وإذا جرى ازدواج هذا المنبه غير الشرطي مع صوت شوكة رنانة (منبه شرطي) وتكررت العملية عدة مرات فإن صوت الشوكة لوحدة لاحقا يؤدي إلى رمش العين. يبدو واضحا هنا أن الطريق العصبي الحسي الذي ينقل احساسات السمع من الأذن وذلك الذي ينقل احساسات البصر من العين يلتقيان في النهاية ويسلكان طريقة واحدة هو الطريق العصبي الحركي الذي ينقل أوامر بالحركة إلى رمش العين. يبين شكل 1 - 17 أن الإحساسات السمعية تذهب إلى النواة القوقعية في النخاع المستطيل ثم إلى نواة قنطرية ثم تصل إلى المخيخ في مجرى عصبي يسمى الألياف الطحلبية mossy fibers وأخيرا يصنع تشابكة مع خلايا بيركنجي Pyrkinje cells في المخيخ. أما الاحساسات البصرية فإنها تصل إلى النواة الزيتونية olivary في النخاع المستطيل وتخرج إلى المخيخ مشكلة مجرى الألياف المتسلقة climbing fibers التي تصنع أخيرة تشابكا مع خلايا بيركنجي التي تشكل هنا نقطة الوصل ( النقطة المشتركة ) من بين الدائرتين. ترسل خلايا بيركنجي أليافها إلى النواة بين الوضعية - inte positus nucleus في المخيخ التي ترسل محاورها إلى النواة الحمراء في الدماغ المتوسط وهذه ترسل أليافها الحركية إلى العين التي تعطي الاستجابة. تنتج خلايا بيركنجي كميات كبيره من RNA الرسول للمستقبل mGluR1 ( أنظر الفصل الثامن) الذي يرتبط من خلال بروتين G إلى الرسول الثاني الناتج من نظام محلل الدهون، ويعتقد بأن كالسيوم الذي يحرره الرسول الثاني له دور في إحداث التغير طويل الأمد المصاحب للذاكرة. فقد أثبتت التجارب الوراثية على الفئران التي أزيل منها الجين المسؤول عن إنتاج mGluR1 بأن هذه الفئران تبدي عيوبة سلوكية تتمثل في نقص واضح في التناسق الحركي ونقص في رمش العين عند التنبيه وغياب كامل تقريبا لظاهرة الانحطاط طويل الأمد long - lasting depression في خلايا بيركنجي. وقد عزيت هذه العيوب إلى غياب mGluR1 في فرس البحر والمخيخ.

جدير بالذكر أن الحيوانات ذات المخيخ الطبيعي تظهر فيها الألياف المتسلقة والطحلبية نشاطا متكررة وتلقائيا يقود إلى الانحطاط طويل الأمد في خلية بيركنجي الذي يعتبر تغيرة دائما مرشحا لاعتماده كأساس فيزيائي للذاكرة. ونظرا لأن خلية بركنجي تحرر من نهاياتها الناقل العصبي المثبط GABA لذا فإن الانحطاط طويل الأمد الذي تعانيه خلايا بيركنجي في الفئران الطبيعية يؤدي لنقص في إفراز الناقل المثبط GABA وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة النشاط في خلايا النواة بين الوضعية المسؤولة عن رمش العين.

 

الشكل 1-17: دائرة منعكس رمش العين في الأرنب.

الشكل 1-17: دائرة منعكس رمش العين في الأرنب.

 

 

الأساس المادي للذاكرة Physical basis ofmemory

يكاد الباحثون أن يجمعوا على أن منطقة التشابك العصبي synapse هي الموقع الأكثر احتمالا لحدوث التغيرات المرسخة للذاكرة. نشأ هذا الاعتقاد نتيجة علمنا أن جهد الفعل هو حدث يخضع لظاهرة الكل أو العدم، أي ليس قابل للتعديل والتحوير بعد أن ينشأ، كما أنه لا يمكن استدعاؤه ثانية أو إعادته إذا ما حدث ولا يمكن تغيير مقداره سرعته. بالمقابل، نعرف أن الجهود بعد التشابكية PSP الناشئة في منطقة التشابك العصبي هي متدرجة وقابلة للتحوير كما أن موقع الأزرار التشابكية على جسم الخلية أو على محورها أو على زوائدها الشجرية له أهمية بالغة في تحوير الجهود بعد التشابكية.

 

كذلك فإن حجم التشابك العصبي وكمية الناقل العصبي المتحرر، ونوعه، ونوع وعدد المستقبلات لهذا الناقل كلها يمكن أن تحور مقدار ومدة بقاء الجهود بعد التشابكية. كما وجد أن كثافة الأشواك spines (وهي نتؤات تنشأ من الزوائد الشجرية لخلايا قشرة المخ والمخيخ وفرس البحر وتستقبل الأزرار التشابكية للخلايا قبل التشابكية وتشكل المدخل الرئيسي للإشارات القادمة لهذه الخلايا ) تزداد بشكل واضح أثناء ظاهرة التضخيم طويل الأمد -long term potentiation ذات العلاقة الوثيقة بالذاكرة كما سنرى لاحقا. من التغيرات المادية التي وجدت مصاحبة لحدوث الذاكرة استمرار نمو ودوام التشابكات القائمة أصلا وتطور تشابكات جديدة بين العصبونات وظهور تفرعات للزوائد الشجرية للعصبونات وزيادة بناء البروتينات الضرورية لبناء مثل هذه التشابكات والتفرعات. لقد أثبتت الدراسات وجود زيادة في نشاط مبلمر RNA المعتمد على DNA (DNA dependent RNA polymerase) وزيادة كميات RNA المخلقة في السيتوبلازم وزيادة في اندماج الأحماض الأمينية المعلمة بالإشعاع التشكيل بروتينات جديدة أثناء بناء الذاكرة.

 

 

الأساس العصبي للذاكرة و التعلم Neural basis of memory and learning

لقد علمنا أن عوامل مثل الغيبوبة والتخدير الشديد والصدمة الكهربائية وانقطاع الدم، وكلها عوامل تؤثر على النشاط الكهربائي للدماغ، تؤثر جميعها على الذاكرة قصيرة الأمد. لقد أفسح هذا الأمر المجال للاعتقاد بأن هذا النوع من الذاكرة يتواجد على هيئة جهد فعل أو جهود فعل متدرجة تدور في دائرة عصبية معينة بشكل مستمر طالما نحن بحاجة للمعلومات التي يمثلها جهد الفعل هذا حيث يتلاشى هذا النشاط الكهربائي بعد ذلك أو يتحول إلى ذاكرة طويلة الأمد. ويعتبر الناقل دوبامين أكثر النواقل أهمية في هذه الذاكرة إذ أنه يفرز في التشابكات العصبية الخاصة بالدوائر العصبية المشار لها.

 

وفي ذبابة الفاكهة Drosophila يعتقد بأن قليلا من الناقل العصبي يؤدي إلى بناء cAMP مما يؤدي لتنشيط كاينيز البروتين (PKA) الذي يحدث تغيرا في نفاذية غشاء الخلية وتغيرة في مقاومتها (شكل 1- 18). أما فيما يتعلق بالاندماج إلى ذاكرة طويلة الأمد فقد أشرنا إلى ضرورة حصول تغيرات تركيبية جزيئيه وخلوية، وإلى أن هذه التغيرات يحدثها النشاط الكهربائي في العصبونات أثناء الذاكرة العاملة. كما وجد بأن GABA يقلل بينما جلوتاميت و أستيل كولين ونورابينفرين يحسن الاندماج كما يؤثر كل من إبينفرين و ACTH وفاسوبرسين في الاحتفاظ بالخبرات التي جرى تعلمها. يمكن تفسير عملية الاندماج بنموذجين هما التضخيم أثناء التنبيه المتكرر post - tetanic potentiation والتضخم طويل الأمد. وقد أشرنا للأول تحت بند خصائص البث الكيميائي أما النموذج الثاني ففيه تستمر استجابة الخلية بعد التشابكية (أي إعطاء سيالات عصبية متكررة) لأيام وأسابيع بل وحتى أشهر استجابة للمنبه الذي يكون عادة أقوى من ذلك المطلوب للحصول على التضخيم أثناء التنبيه المتكرر.

 

وحيث أن هذا النوع من الاستجابة يحدث بشكل كبير في عصبونات فرس البحر لذا يعتقد بأن هذا التركيب ذو علاقة كبيرة بالتعلم. وحيث أن استجابة الخلية بعد التشابكية تنتج بسبب استمرار تحرر الناقل العصبي من الخلية قبل التشابكية لذا فلا بد من وسيلة تعلم بها الخلية قبل التشابكية عن هذا النشاط الزائد للخلية بعد التشابكية. من المواد المرشحة للقيام بهذه الوظيفة النواقل العصبية الغازية مثل CONO أو مركبات قادرة على عبور أغشية الخلايا والانتشار بشكل رجعي نحو الخلية قبل التشابكية مثل حامض أرا کيدونيك ولا شك أنه في مثل هذه الحالة سيكون تحرر الناقل العصبي ناتجا عن زيادة في نفاذية الغشاء لكالسيوم.

وما أن يتحرر الناقل حتى يرتبط بمستقبلاته ويحرر cAMP الذي يعمل من خلال كاينيز البروتين (PKA) الذي ينشط فتهاجر تحت وحداته المساعدة إلى النواة وهناك تفسفر بروتينات تدعى (CREB)  CAMP - response element - bindingمما يؤدي إلى استنساخ جينات مبكرة آنية IEG وهذه تنشط جينات متأخرة مسؤولة عن إنتاج بروتينات الهيكل الخلوي والمنشطات العصبية neurotrophins والمستقبلات وأنزيمات بناء النواقل العصبية (شكل 1 - 18) (إحدى النظريات تقول أن Ca ينشط أنزيم calpain وهذا يحطم الهيكل الخلوي fodrin للخلية بعد التشابكية مما يؤدي لكشف مستقبل جلوتاميت مما يحسن استجابة الغشاء لأحماض أمينية مهيجة ).

 

التغيرات الفسيولوجية الخلوية المصاحبة لبعض أنماط التعلم

التعود Habituation: ينتج التعود من أبطال فعالية inactivation قنوات صوديوم في الخلية قبل التشابكية مما يؤدي إلى إنقاص كمية الناقل المتحرر في الشق التشابكي. كما أن عدد التشابكات العصبية المحتوية على مناطق فعالة active Zones تقل كما تقل مساحة المناطق الفعالة نفسها مما يؤدي في النهاية إلى تضاؤل وظيفة التشابك.

 

الشكل 1-18: آليات ومسالك الذاكرة . أ) في الذاكرة قصيرة الأمد، يؤدي ارتباط الناقل بالمستقبل إلى تحفيز الرسول الثاني cAMP وإلى تحفيز كاينيز البروتين الذي يعمل ثانية على غشاء الخلية نفسها ليغير من نفاذيته للأيونات وبالتالي من استجابة الخلية، ب) في الذاكرة طويلة الأمد يحدث الشيء نفسه غير أن بعض الوحدات المساعدة لكاينيز البروتين تدخل إلى النواة وتؤثر هناك على بروتينات CREB التي تؤثر بدورها على الجينات المبكرة. هذه الأخيرة تعمل بدورها كعوامل استنساخ فتؤدي إلى التأثير على جينات أخرى تسبب بناء بروتينات ومواد أخرى.

الشكل 1-18: آليات ومسالك الذاكرة . أ) في الذاكرة قصيرة الأمد، يؤدي ارتباط الناقل بالمستقبل إلى تحفيز الرسول الثاني cAMP وإلى تحفيز كاينيز البروتين الذي يعمل ثانية على غشاء الخلية نفسها ليغير من نفاذيته للأيونات وبالتالي من استجابة الخلية، ب) في الذاكرة طويلة الأمد يحدث الشيء نفسه غير أن بعض الوحدات المساعدة لكاينيز البروتين تدخل إلى النواة وتؤثر هناك على بروتينات CREB التي تؤثر بدورها على الجينات المبكرة. هذه الأخيرة تعمل بدورها كعوامل استنساخ فتؤدي إلى التأثير على جينات أخرى تسبب بناء بروتينات ومواد أخرى.

 

 

التحسس Sensitization : ينتج التحسس بسبب التسهيل قبل التشابكي presynaptic facilitation الذي وصفناه من قبل فالناقل العصبي هنا يسبب إنتاج cAMP الذي يعمل من خلال كاينيز البروتين Aلإبطال عمل قنوات K مما يؤدي لإطالة جهد الفعل ويسمح لقنوات كالسيوم بالبقاء مفتوحة لفترة أطول. يؤدي هذا لدخول كالسيوم الذي يسبب تحرر مزيد من الناقل العصبي، كما يكون هذا الأمر مصحوبا بزيادة عدد التشابكات ذات المناطق النشطة وزيادة مساحة المناطق النشطة نفسها حيث تؤدي هذه التغيرات مجتمعة إلى زيادة فعالية التشابك العصبي والى التحسس الشكل 1- 19).

 

التعلم الشرطي التقليدي : تفسر الآلية الموضحة بالشكل 1 - 20 بعض أنماط هذا التعلم، وهي آلية شبيهة إلى حد ما بالية التحسس على الأقل في بعض جوانبها. فالمنبه الشرطي هنا يهيج الخلية بعد التشابكية كما يرفع مؤقتا من تركيز كالسيوم في النهاية قبل التشابكية. يرتبط "Ca بالبروتين كالموديولين  calmodulin العائد للأنزيم محلق أدنيل الذي يعطي cAMP. يؤدي cAMP من خلال العمل على كاينيز البروتين A إلى إبطال عمل قنوات "K وما يعقب ذلك من أحداث تؤدي في النهاية إلى زيادة كمية الناقل المتحرر.

 

الشكل 1-19:مخطط يبين كيف تعمل آليات التحسس.

الشكل 1-19:مخطط يبين كيف تعمل آليات التحسس.

 

 

الشكل 1-20: آليات التعلم الشرطي التقليدي.

الشكل 1-20: آليات التعلم الشرطي التقليدي.

 

 

إن ازدواج المنبه الشرطي مع غير الشرطي ينشط عمليات خلوية تغير من قابلية الخلية بعد التشابكية على التهيج وكنتيجة لذلك فإن المنبه الشرطي لوحده يصبح في النهاية قادرا على تنشيط هذه الخلية.

 



الفصل التاسع:

·        الجهاز العصبي :

·        التركيب والتنظيم

·        تطور الأجهزة العصبية

·        الجهاز العصبي في الفقريات

·        الأصل الجنيني

·        الجهاز العصبي في الإنسان

·        الجهاز العصبي المركزي

·        الأغشية المحيطة

·        السائل الدماغي الشوكي

·        الدماغ

·        التركيب العام

·        جذع الدماغ

·        النخاع المستطيل

·        القنطرة

·        الدماغ الأوسط

·        الدماغ البيني

·        المهاد

·        تحت المهاد

·        الوظائف الذاتية لتحت المهاد

·        العلاقة بين تحت المهاد والغدد الصماء

·        دور تحت المهاد کساعة بيولوجية

·        وظائف أخرى لتحت المهاد

·        المخ

·        فصوص المخ ومساحاته الوظيفية

·        المنطقة الحسية الأساسية (منطقة الإدراك البدني الأساسية)

·        المنطقة الحركية الأساسية

·        المادة البيضاء للمخ

·        العقد القاعدية أو الانوية المخية

·        الجهاز الطريفي (الحلقي)

·        السيادة المخية

·        اللغة

·        التعلم والذاكرة

·        أماكن خزن المعلومات ( أماكن الذاكرة

·        دائرة منعكس رمش العين في الأرنب

·        الأساس المادي للذاكرة

·        الأساس العصبي للذاكرة والتعلم

·        التغيرات الفسيولوجية الخلوية المصاحبة لبعض أنماط التعلم

·        التعود

·        التحسس

·        التعلم الشرطي التقليدي

·        التخطيط الكهربائي للدماغ

·        النوم والأحلام

·        الآليات العصبية للنوم

·        الأهمية البيولوجية للنوم والأحلام

·        الأهمية التطبيقية التخطيط الدماغ وبعض اضطرابات النوم

·        المخيخ

·        الحبل الشوكي

·        وظائف الحبل الشوكي

·        المسالك الهابطة

·        مسالك قشرية شوكية أو مسالك هرمية

·        المسالك غير القشرية الشوكية

·        المسالك الصاعدة

·        المسالك الصاعدة النوعية

·        المسالك الصاعدة غير النوعية

·        أسماء المسالك العصبية ووظائفها




 

المصادر

  • التشريح الوظيفي وعلم وظائف الأعضاء ، الدكتور شتيوي العبدالله (2012) ، دار المسيرة عمان – الأردن.

 

  • Prosser, C. Ladd (1991). Comparative Animal Physiology, Environmental and Metabolic Animal Physiology (4th ed.). Hoboken, NJ: Wiley-Liss. pp. 1–12. ISBN 978-0-471-85767-9.
  •  Hall, John (2011). Guyton and Hall textbook of medical physiology (12th ed.). Philadelphia, Pa.: Saunders/Elsevier. p. 3. ISBN 978-1-4160-4574-8.
  •  Widmaier, Eric P.; Raff, Hershel; Strang, Kevin T. (2016). Vander's Human Physiology Mechanisms of Body Function. New York, NY: McGraw-Hill Education. pp. 14–15. ISBN 978-1-259-29409-9.
  • R. M. Brain. The Pulse of Modernism: Physiological Aesthetics in Fin-de-Siècle Europe. Seattle: University of Washington Press, 2015. 384 pp., [1].
  • Rampling, M. W. (2016). "The history of the theory of the circulation of the blood". Clinical Hemorheology and Microcirculation. 64 (4): 541–549. doi:10.3233/CH-168031. ISSN 1875-8622. PMID 27791994. S2CID 3304540.
  • Bernard, Claude (1865). An Introduction to the Study of Ex- perimental Medicine. New York: Dover Publications (published 1957).
  •  Bernard, Claude (1878). Lectures on the Phenomena of Life Common to Animals and Plants. Springfield: Thomas (published 1974).
  •  Brown Theodore M.; Fee Elizabeth (October 2002). "Walter Bradford Cannon: Pioneer Physiologist of Human Emotions". American Journal of Public Health. 92 (10): 1594–1595. doi:10.2105/ajph.92.10.1594. PMC 1447286.
  •  Heilbron, J. L. (2003). The Oxford Companion to the History of Modern Science, Oxford University Press, p. 649, link.
  •  Feder, ME; Bennett, AF; WW, Burggren; Huey, RB (1987). New directions in ecological physiology. New York: Cambridge University Press. ISBN 978-0-521-34938-3.
  •  Garland, Jr, Theodore; Carter, P. A. (1994). "Evolutionary physiology" (PDF). Annual Review of Physiology. 56 (1): 579–621. doi:10.1146/annurev.ph.56.030194.003051. PMID 8010752.

 



Comments

contents title