Main menu

Pages

 


الاستتباب (الثبات الداخلي)   Homeostasis

الاستتباب (الثبات الداخلي)  Homeostasis في التدوينة السابقة، أشرنا إلى أن العمليات الحيوية المترابطة على هيئة سلاسل سببية تهدف إلى بقاء الكائن الحي وأن هذا البقاء يتحقق من خلال الحفاظ على حالة من الثبات في البيئة الداخلية. في هذا الفصل سوف نرى كيف تعمل أجهزة الجسم لتحقيق ثبات البيئة الداخلية وسندرس الآليات التي تستخدمها هذه الأجهزة للتحكم بثبات البيئة الداخلية من حيث أنواعها والأشكال التي تتخذها وزمن تطورها في الفرد.

 

نظرة تاريخية قصيرة

لقد كان عالم وظائف الأعضاء الفرنسي Claude Bernard هو أول من أشار إلى مفهوم الاستتباب أو الثبات الداخلي وذلك عام 1857 حيث أسماه بالفرنسية e milliu interieur. وقد بلور العالم الأمريكي كانن Cannon عام 1932 هذا المفهوم مستخدما مصطلح الاستتباب أو الثبات الداخلي أو الثبات الذاتي للإشارة إليه.

 

كلود بيرنارد 1813

 

 مفهوم الاستتباب أو الثبات الداخلي

يعرف الاستتباب بأنه الحفاظ على مكونات البيئة الداخلية لجسم الكائن الحي ثابتة بشكل تقريبي . لكي نفهم ما يجري في الجسم بشكل كامل علينا الإشارة إلى ثلاثة عناصر مهمة وردت في هذا التعريف :

1. إن المقصود بالبيئة الداخلية للجسم هو السائل خارج الخلايا. ذلك السائل الذي يغمر جميع خلايا الجسم ومنه تستمد حاجتها من الماء والأكسجين والمواد المغذية والأملاح الضرورية وعن طريقه تصلها الهرمونات والمواد المنظمة لعملياتها الحيوية وإلى هذا السائل تقذف مخلفاتها الضارة من أمونيا وثاني أكسيد الكربون ومواد أيضية أخرى.


2. إن ثبات مكونات البيئة الداخلية هو ثبات نسبي وليس ثباتا مطلقا. فكل مكون من مكونات البيئة الداخلية يمكن أن يتغير ولكن مقدار هذا التغير يكون عادة صغيرة ويقع ضمن مدى ضيق يدعى المدى الفيزيولوجي physiological range الذي يعرف بأنه المدى الذي يمكن أن يتغير ضمنه أحد مكونات البيئة الداخلية وتبقى حياة الكائن مع ذلك مستمرة، وإذا تغير ذلك المكون بشكل كبير يتجاوز هذا المدى الفيزيولوجي فإن الحياة تصبح مستحيلة. ولتوضيح ذلك، خذ مثلا التذبذبات الطبيعية في مستوى السكر في الدم خلال ساعات النهار في شخص طبيعي، المبينة في الشكل 1 . لاحظ مثلا إن مستوى جلوكوز قبل الإفطار هو حوالي 60 ملغم /100 مللتر من الدم ويرتفع بعد الإفطار مباشرة إلى حوالي 100 ملغم /100 مللتر. لكن آليات السيطرة على الاستتباب، المتمثلة هنا بالهرمونات، لا تعيد هذا المستوى إلى 60 ملغم /100 مللتر الذي كان قبل الإفطار بل إلى قيمة جديدة تقع بين القيمتين السابقتين .

 

 

الشكل 1 : التذبذبات الطبيعية في مستوى سكر جلوكوز في الدم بعد الوجبات.

الشكل 1 : التذبذبات الطبيعية في مستوى سكر جلوكوز في الدم بعد الوجبات.

 

 

هكذا، فإن حدوث تغير في أحد مكونات البيئة الداخلية هو أمر متوقع ومسموح به، لكن آليات السيطرة على الثبات الداخلي تحاول إبقاء هذا التغير ضمن أضيق مدى ممكن ومتوافق مع البقاء على قيد الحياة.

 

 3. إن الحفاظ على ثبات نسبي لمكونات البيئة الداخلية للجسم يتم عن طريق عمل مجموعة من العمليات الفيزيولوجية المتكاملة بشكل معقد لكنه مثالي. لأجل إنجاز هذا التكامل في العمليات الفيزيولوجية، يلجأ الجسم إلى تفعيل آليات السيطرة على الثبات الداخلي التي تشمل آليات التغذية الراجعة السلبية negative feedback mechanisms وآليات التغذية الراجعة الإيجابية positive feedback وكلا سنوضح بالأمثلة لاحقا في هذا الفصل. آليات التحكم بالاستتباب تهدف هذه الآليات إلى إبقاء أي متغير من متغيرات البيئة الداخلية، كمستوى جلوكوز الدم أو أكسجين أو الماء أو درجة الحرارة، في حالة ثبات.

 


تتصف هذه الآليات بأنها :

أ. تحقق التوازن بين الداخل إلى الجسم input والخارج output منه في كل متغير بحيث يتساوى الخارج من الجسم دوما مع الداخل إليه . فإذا تولد في الجسم كمية كبيرة من الحرارة بسبب التمرين الرياضي مثلا فإن ما يفقده الجسم من الحرارة يجب أن يكون كبيرا أيضا وذلك الإبقاء حالة الثبات الداخلي في درجة الحرارة. ولا يهم في هذا المجال القيم المطلقة للداخل أو الخارج بقدر ما يهم التوازن بينهما.

 

ب. لا تحافظ على ثبات کامل في المتغير بل تحاول إنقاص مقدار التغير إلى أقل حد ممكن، فالحفاظ على ثبات کامل قد لا يكون ممكنا خاصة عند استمرار حدوث التغير . إن عدم عودة المتغير إلى قيمته الأصلية قبل حدوث التغير يقدم فائدة بيولوجية للجسم، ذلك لأنه يشكل إشارة، تدعى إشارة الخطأ error signal، تحث آليات التحكم بالاستتباب على استمرار العمل ليبقى المتغير ثابتا نسبيا وبشكل غير متذبذب.

 

لتوضيح هذه الميزة تصور ماذا سيحدث لو أن آليات التحكم أعادت المتغير تماما إلى قيمته الأصلية. سوف تتوقف بعد ذلك عن العمل، وإذا استمر المنبه الذي أحدث التغير، فإن تغيرا جديدا سيطرة. ولأن آليات التحكم لا تعمل في هذه اللحظة سوف يكون التغير في الغالب حادا. فإذا جرى تفعيل آليات السيطرة لاحقا فإنها ستعيد المتغير إلى قيمة الأصلية ثم تتوقف ثانية لتعاد نفس السلسلة من الإجراءات، وهكذا فإذا نظرنا إلى سلوك المتغير سنجده عبارة عن سلسلة من التذبذبات، التي قد تكون ضارة بالجسم. تصور مثلا الضرر الناتج لو أن درجة حرارة الجسم تذبذبت بشكل مستمر بين 35.5°س و37.5°س بدلا من ثباتها على درجة 36.5°س (شكل 2).

 

الشكل 2 : أهمية إشارة الخطأ في الحفاظ على درجة حرارة الجسم ثابتة. يمثل الخط المنقط المتعرج التذبذب الحاصل في درجة الحرارة بغياب إشارة الخطأ عند حدوث ارتفاع في درجة حرارة الوسط المحيط.

الشكل 2 : أهمية إشارة الخطأ في الحفاظ على درجة حرارة الجسم ثابتة. يمثل الخط المنقط المتعرج التذبذب الحاصل في درجة الحرارة بغياب إشارة الخطأ عند حدوث ارتفاع في درجة حرارة الوسط المحيط.

 

 

ج. تعمل على إبقاء المتغير ضمن المدى الفيزيولوجي الذي أشرنا إليه أعلاه، لا عند قيمة واحدة ثابتة وهكذا نستطيع القول مثلا بأن المدى الفيزيولوجي المعدل السكر في دم الإنسان الطبيعي يتراوح بين 90-100 مليجرام/100 مللتر بدلا من استخدام قيمة مطلقة واحدة.

 

د. لا يمكنها تثبيت المتغيرات جميعها في الوقت نفسه وبالدرجة نفسها بل إن بعض المتغيرات ثبت وذلك على حساب متغيرات أخرى أقل أهمية. إن هذه الآليات لديها نظام من الترتيب لأهمية المتغيرات المختلفة ويجري تثبيت الأكثر أهمية منها لبقاء الكائن على حساب تلك الأقل الأهمية. فإذا كان التخلص من الماء ضروريا لإخراج الفضلات الضارة على هيئة بول وكان الجسم في حالة من الجفاف لا تسمح له بإخراج المزيد من الماء فإن التبول يتوقف مؤقتا حتى ولو تراكمت الفضلات الضارة لفترة من الزمن، فتثبيت كمية الماء في الجسم أكثر أهمية من تثبيت كمية الفضلات الضارة.

 

 

وقت ظهور آليات التحكم بالاستتباب

لاشك أن بعض آليات التحكم تبدأ بالعمل مبكرة في حياة الجنين. فالغدة النخامية، مثلا، تبدأ بالتطور في الأسابيع الأربعة الأولى من عمر الجنين ويكتمل نضجها في حوالي 20 أسبوعا، ومن المنطقي الافتراض بأنها تبدأ في إفراز هرموناتها التي تعتبر أدوات للتحكم بالثبات الداخلي في مراحل مبكرة. وعلى الرغم من أنه لا يزال ينقصنا الكثير من المعلومات عن زمن ظهور آليات التحكم بالثبات الداخلي في جنين الإنسان، والثدييات عموما، إلا أن المعلومات المتوافرة تبين أن آليات التحكم تتطور بشكل تدريجي وبمعدلات تختلف من إحدى هذه الآليات إلى الأخرى. فهناك الكثير من الإنزيمات مثلا تكون مفقودة أو غير عاملة أثناء الولادة ثم تبدأ العمل بعد ذلك.

 

تبدأ آليات التحكم بعمل الجهازين الدوري والتنفسي، مثلا، بالسيطرة في غضون أسبوعين بعد الولادة، ولذلك فإن الخطر على حياة الجنين يكمن في الفترة السابقة لذلك، أما آليات السيطرة في الكلية فلا تكتمل سيطرتها إلا في غضون عامين. عموما يمكن القول بأن الانتقال من الحياة الجنينية إلى حياة بعد الولادة يتطلب تطور آليات تحكم جديدة تتناسب والظروف الجديدة ، إذ إن كثيرا من عمليات الأيض في مرحلة الجنين تمثل تكيفا مفيدة للجنين في البيئة الجنينية. فالبيئة الجنينية، مثلا، هي بيئة لاهوائية تقريبا لأن الجنين يستمد أكسجين من الدم الوريدي للأم حيث 40 = Po2 وليس من الدم الشرياني حيث 100=Po ولهذا فإن المسالك الأيضية اللاهوائية هي التي تسود في الجنين، كما أن هيموجلوبين الجنين لديه ألفة affinity الأكسجين أعلى من تلك الخاصة بهيموجلوبين البالغ لكي يتمكن من الإمساك بكمية كبيرة من أكسجين في هذه الظروف "اللاهوائية". هذا الوضع يساعد الجنين على تحمل نقص أكسجين بدرجة أكبر من البالغ حيث يتوقع أن يعاني الجنين مثل هذا النقص أثناء مروره في قناة الولادة الضيقة أثناء ولادته.

 

أنواع آليات التحكم بالاستتباب

يوجد نوعان من آليات التحكم بالاستتباب:

أ- آليات التغذية الراجعة السلبية: تعد هذه الآليات الأكثر شيوعا في الجسم وسوف نضرب العديد من الأمثلة عليها عند دراستنا وظائف أجهزة الجسم المختلفة. وفي هذا النوع من الآليات، تؤدي الزيادة أو النقص في المتغير قيد الدراسة إلى استجابة تسير بالمتغير في الاتجاه المعاكس (الاتجاه السالب) الاتجاه التغير الأصلي. فانخفاض درجة حرارة الجسم مثلا، يؤدي إلى استجابة في الجسم (انقباض العضلات أو الارتجاف) تؤدي إلى رفع درجة حرارة الجسم لاغية أو معادلة بذلك المنبه الأصيل ألا وهو الانخفاض في درجة الحرارة. كما أن ارتفاع معدل Pco2 في الدم يؤدي إلى تعديل معدل وعمق التنفس بحيث يخرج الزائد منه مع هواء الزفير لينخفض معدل Pco2 ثانية. يمكن تلخيص عمل آليات التغذية الراجعة السلبية بالشكل 3 أدناه حيث يبين الخط المنقط أن الاستجابة تكون بالاتجاه المعاكس للمنبه الأمر الذي يلغي هذا المنبه أو يعادله.

 

الشكل 3: توضيح لآليات التغذية الراجعة السلبية
الشكل 3: توضيح لآليات التغذية الراجعة السلبية

 

يجدر بالذكر أن أبسط أنواع آليات التغذية الراجعة السلبية يشبه إلى حد كبير أنظمة التشغيل والإيقاف on - off الهندسية، لكن الآليات التي تتم في الجسم عادة ما تكون أكثر تعقيدا وذلك لتقليل التذبذب في قيمة المتغير إلى أقصى درجة ممكنة. مثل هذه الأنواع المعقدة تدعي أنظمة التغذية الراجعة السلبية النسبية proportional حيث تكون الاستجابة متناسبة مع مقدار المنبه إذ أن كل تغير صغير في قيمة المتغير المحددة سلفا set- point يسبب حدوث استجابة متناسبة معها بحيث لا تتذبذب قيمة المتغير المحددة بشكل كبير. ومع ذلك فإن آليات التغذية السلبية هي أكثر تعقيدا حتى من هذا النوع النسبي، إذ أنها تستدعي أحيانا حدوث تعديل في قيمة المتغير المحددة زيادة أو نقصا استجابة للدورات الليلية النهارية والدورات الفصلية والتغيرات الأيضية و المرضية وخلافه.

 

ب- آليات التغذية الراجعة الإيجابية: في هذه الأنظمة تؤدي الزيادة أو النقص في متغير ما إلى استجابة تكون في نفس الاتجاه الذي حدث به التغير الأصلي. فالزيادة في المتغير تؤدي إلى مزيد من الزيادة، والنقص إلى مزيد من النقص، وهكذا يبدو لنا أن هذه الآليات تنحى بالمتغير بعيدا عن حالة الثبات. ومع ذلك فإن هذه الآليات مهمة في أنها تخدم الغرض النهائي من آليات التحكم ألا وهو بقاء الكائن الحي. يلخص الشكل 4 أدناه ما يحدث في آليات التغذية الراجعة الإيجابية. لاحظ أن الإشارة (+) تعني أن الاستجابة تؤدي إلى المزيد من التنبيه ومزيد من التغير والاستجابة.

 

الشكل 4 : توضيح لآليات التغذية الراجعة الإيجابية

 

هناك أمثلة قليلة في الجسم على أنظمة التغذية الراجعة الإيجابية فهي تعمل مثلا أثناء تنظيم ثبات الدم (تجمع الصفائح الدموية وتخثر الدم)، وأثناء حدوث جهد الفعل، وبعض الاستجابات المناعية، وتتحكم بإفراز هرمون أوكسيتوسين أثناء الطلق والولادة ، كما تعمل أثناء بعض أشكال سلوك التكاثر في الثدييات. هذه الأمثلة سوف نوسعها تفصيلا أثناء دراستها ، وسنبين أن إبطال عمل المنبه الأصيل الذي أحدث التغيير يعتمد على الزمن، وعلى عوامل أخرى، بدلا من اعتماده على الاستجابة.

 

الأشكال التي تتخذها أنظمة التحكم بالاستتباب يتضح من المناقشة السابقة أن آليات التحكم بالثبات الداخلي تتخذ شكلا أساسية واحدة هو شكل المنعكس ( reflex  الفعل المنعكس أو القوس المنعكس reflex arc ) شكل 5 الذي يضم عناصر متعددة تبدأ بالمنبه- stim lus وتنتهي بالاستجابة response ويمتاز بأنه غير إرادي بل هوفطري إذ لا يحتاج الكائن لتعلمه تعلما في معظم الأحوال وان كانت بعض المنعكسات المعقدة تحتاج إلى بعض التعلم وإلى التركيز الواعي لكي تتطور بشكل مناسب.

 

الشكل 5 : مخطط لمكونات المنعكس

الشكل 5 : مخطط لمكونات المنعكس

 

 يطلق تعبير المنبه stimulus على كل تغير محسوس في البيئة الداخلية أو الخارجية للجسم كالتغير في كمية الماء في الجسم أو في ضغط الدم وهو في العادة شكل من أشكال الطاقة. أما المستقبل receptor فيطلق على تركيب مادي في الجسم له القدرة على التحري عن المنبه وتحويل طاقته إلى شكل آخر من أشكال الطاقة تمهيدا لبثه عبر المسالك الواردة. يمكن أن تكون المستقبلات مستقبلات حسية مثل مستقبلات الضؤ في العين والخلايا الشعرية في الأذن ومستقبلات الحرارة أو الضغط في الجلد ومستقبلات الشم والتذوق في الأنف والفم، وهذه المستقبلات هي المقصودة في هذا الفصل. كما يمكن أن تكون مستقبلات كيميائية نوعية خاصة بأنواع الرسل الكيميائية التي تنتج من قبل خلايا الجسم. تشكل المسالك الواردة afferent pathways، التي غالبا ما تكون أليافا عصبية، الوصلات التي تنتقل عبرها الإشارة من المستقبل إلى مركز السيطرة والتكامل. أما مركز السيطرة والتكامل integration center فيستلم الرسائل الواردة لا من مستقبل واحد بل، وفي الغالب، من مستقبلات عديدة، ويقوم بتنسيق هذه الرسائل وبإعطاء إشارة تمثل محصلة المجموع الرسائل الواصلة عبر المسالك الواردة. 


لهذا فإن استجابة مركز التكامل تمثل تكاملا لعديد من المعلومات المتناثرة. تنتقل الإشارة التي يصدرها مركز التكامل إما في ألياف عصبية (على هيئة جهد فعل) أو في الدم (على هيئة هرمون أو رسول كيميائي) عبر المسالك الصادرة eferent pathways إلى المتأثر efector الذي يمكن أن يكون أي خلية في الجسم وإن كانت أفضل الأمثلة للمتأثرات هي العضلات والغدد. تشكل المتأثرات التراكيب التي تعطي الاستجابة response سواء أكانت هذه الاستجابة انقباضا أو انبساطا في إحدى العضلات أو إفرازا من إحدى الغدد أو غير ذلك من الاستجابات التي سنتطرق إليها لاحقا.

 

ونظرا لكون الاستجابة في معظم المنعكسات تكون باتجاه معاكس لاتجاه المنبه، لذا فإن المنعكسات تعد شكلا من أشكال التغذية الراجعة السلبية التي تؤدي فيها الاستجابة إلى إلغاء المنبه الأصلي ومنعه من إحداث مزيد من التغير. تكون المنعكسات إما منعكسات طويلة long أو محلية قصيرة local. فتنظيم درجة حرارة الجسم مثلا يعد منعكسا طويلا نظرا للمسافة الطويلة نسبية التي تقطعها الإشارة بين مكان تأثير المنبه ومكان حدوث الاستجابة.

فانخفاض درجة حرارة الجو المحيط يمكن أن يؤثر على نهايات كراوس Krause endings في الجلد فينبهها لتعطي إشارة على هيئة جهد فعل خاص ينتقل عبر الأعصاب إلى مركز تحكم بدرجة الحرارة موجود في تحت المهاد يصدر جهد فعل ينتقل عبر الأعصاب الحركية الذاهبة إلى العضلات الهيكلية فتبدأ بالارتجاف (نوع من الانقباض يمثل استجابة). يؤدي الارتجاف إلى تبديد بعض الطاقة الحرارية في العضلات مما يؤدي إلى رفع درجة حرارة الدم ويلغي تأثير المنبه الأصلي. وتسلك الإشارة الناتجة عن مركز التحكم في هذا المثال مسالك صادرة أخرى بالذهاب عبر أعصاب ذاتية إلى العضلات الملساء للأوعية الدموية في الجلد فتؤدي إلى انقباضها مما يقلل من تبديد الحرارة، أو بالذهاب عبر أعصاب ذاتية إلى الغدد العرقية فتتوقف عن إفراز العرق فيقل تبديد حرارة الجسم. أما المنعكسات المحلية فتبدأ وتنتهي في نفس الخلية أو النسيج أو العضو. فزيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون في الدم في إحدى العضلات عند التمرين الرياضي يؤدي مثلا إلى ارتخاء العضلات الملساء للأوعية الدموية في تلك العضلة مما يسبب تدفق المزيد من الدم لنقل أكسجين إلى العضلة ولنقل ثاني أكسيد الكربون بعيدا عن تلك العضلة مما يقلل من تراكمه. هكذا نجد أن المنعكس بدأ في الوعاء الدموي في العضلة قيد التمرين وانتهى بذلك الوعاء الدموي.


قبل أن الختام نود الإشارة إلى أن مكونات الفعل المنعكس قد لا تكون بالضرورة مكونات عصبية كما جرى التعارف عليه. لنأخذ مثالا لتوضيح ذلك. تؤدي ملامسة الدهون أو بعض الأحماض الأمينية لبطانة الإثني عشر إلى حث الخلايا الغدية المخاطية على إفراز هرمون كوليستوكاينين CCK الذي ينتقل في الدم ليصل إلى كيس الصفراء فيقوم بإفراغ محتوياته من أملاح الصفراء التي تساعد في هضم الدهون.

فمركز التكامل في هذا المثال هو الخلايا الغدية في مخاطية الأمعاء الدقيقة والإشارة هنا ليست عصبية (جهد فعل مثلا) بل هي هرمون مفرز والمسالك الصادرة ليست أليافا عصبية بل هي الدم أما المسالك الواردة في هذا المثال فليست معروفة على وجه التحديد إذ لا يعرف بدقة كيف تنتقل الإشارة من الخلايا الطلائية التي تلامسها الدهون إلى الخلايا الغدية المجاورة لها والمفرزة للهرمون.

 


الفصل الثاني:

·        الاستتباب (الثبات الداخلي)

·        نظرة تاريخية قصيرة

·        مفهوم الاستتباب أو الثبات الداخلي آليات التحكم بالاستتباب

·        وقت ظهور آليات التحكم بالاستتباب

·        أنواع آليات التحكم بالاستتباب

·        الأشكال التي تتخذها أنظمة التحكم بالاستتباب


 

 

 

المصادر

  • التشريح الوظيفي وعلم وظائف الأعضاء ، الدكتور شتيوي العبدالله (2012) ، دار المسيرة عمان – الأردن.

 

  • Prosser, C. Ladd (1991). Comparative Animal Physiology, Environmental and Metabolic Animal Physiology (4th ed.). Hoboken, NJ: Wiley-Liss. pp. 1–12. ISBN 978-0-471-85767-9.
  •  Hall, John (2011). Guyton and Hall textbook of medical physiology (12th ed.). Philadelphia, Pa.: Saunders/Elsevier. p. 3. ISBN 978-1-4160-4574-8.
  •  Widmaier, Eric P.; Raff, Hershel; Strang, Kevin T. (2016). Vander's Human Physiology Mechanisms of Body Function. New York, NY: McGraw-Hill Education. pp. 14–15. ISBN 978-1-259-29409-9.
  • R. M. Brain. The Pulse of Modernism: Physiological Aesthetics in Fin-de-Siècle Europe. Seattle: University of Washington Press, 2015. 384 pp., [1].
  • Rampling, M. W. (2016). "The history of the theory of the circulation of the blood". Clinical Hemorheology and Microcirculation. 64 (4): 541–549. doi:10.3233/CH-168031. ISSN 1875-8622. PMID 27791994. S2CID 3304540.
  • Bernard, Claude (1865). An Introduction to the Study of Ex- perimental Medicine. New York: Dover Publications (published 1957).
  •  Bernard, Claude (1878). Lectures on the Phenomena of Life Common to Animals and Plants. Springfield: Thomas (published 1974).
  •  Brown Theodore M.; Fee Elizabeth (October 2002). "Walter Bradford Cannon: Pioneer Physiologist of Human Emotions". American Journal of Public Health. 92 (10): 1594–1595. doi:10.2105/ajph.92.10.1594. PMC 1447286.
  •  Heilbron, J. L. (2003). The Oxford Companion to the History of Modern Science, Oxford University Press, p. 649, link.
  •  Feder, ME; Bennett, AF; WW, Burggren; Huey, RB (1987). New directions in ecological physiology. New York: Cambridge University Press. ISBN 978-0-521-34938-3.
  •  Garland, Jr, Theodore; Carter, P. A. (1994). "Evolutionary physiology" (PDF). Annual Review of Physiology. 56 (1): 579–621. doi:10.1146/annurev.ph.56.030194.003051. PMID 8010752.



Comments

contents title